حسن ابراهيم حسن
201
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
فأرسلوا عمرو بن العاص وعبد اللّه بن أبي ربيعة لتحريض النجاشي على إخراجهم من بلاده . وقد تقدم القول بأن النجاشي بعث في طلب المهاجرين وسألهم عن حقيقة دينهم ، فتقدم جعفر بن أبي طالب ورد عليه في هذا الحديث الذي يعتبر موازنة طريفة بين مثل الجاهلية ومثل الإسلام ، وهاك نصه : « أيها الملك ! كنا قوما أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ، ونأتى الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسىء الجوار ، ويأكل القوى منا الضعيف . فكنا على ذلك حتى بعث اللّه إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى اللّه لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان . وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة . وأمرنا أن نعبد اللّه وحده ولا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . . . فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من اللّه ، فعبدنا اللّه وحده فلم نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا . فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللّه تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث « 1 » » . ويقول ابن حزم « 2 » « وكانت العرب بلا خلاف قوما لقاحا لا يملكهم أحد ، كربيعة ومضر وإياد وقضاعة ، أو ملوكا في بلادهم يتوارثون الملك كايرا عن كابر . . . فانقادوا كلهم لظهور الحق وآمنوا برسول اللّه ، وهم آلاف آلاف . وصاروا إخوة كبنى أب وأم ، وانحل كل من أمكنه الانحلال عن ملكه منهم إلى رسله « 3 » طوعا بلا خوف غزو ولا إعطاء مال ولا بطمع في عز . بل كلهم أقوى جيشا من جيشه ، وأكثر مالا وسلاحا منه وأوسع بلدا من بلده . . . وهكذا كان إسلام جميع العرب ؛ أولهم كالأوس والخزرج ثم سائرهم قبيلة قبيلة ، لما ثبت عندهم من آياته وبهرهم به من معجزاته ، وما اتبعه الأوس والخزرج إلا وهو فريد طريد ، قد نابذه قومه حسدا له ، إذ كان فقيرا لا مال له ، يتيما لا أب
--> ( 1 ) ابن هشام ج 1 ص 358 - 359 . ( 2 ) الفصل في الملل والأهواء والنحل ج 2 ص 85 . ( 3 ) الرسل بكسر الراء وتشديدها وسكون السين هو اللبن .